Posts

الحر بالخيمة مش بس جو.. معركة يومية ما بتخلص

Image
  الصبح بغزة ما عاد يبلش على صوت العصافير ولا ريحة القهوة، صار يبلش على حرّ الخيمة اللي بيفوت علينا من أول خيط شمس. من قبل الساعة 8 الصبح بنحس إن الهوا واقف، وإن الخيمة صارت زي فرن صغير قاعدين جواه. كل يوم بنحاول نلاقي طريقة نهرب فيها من الحر، مرة بنرش مي حوالين الخيمة، ومرة بنرفع أطرافها شوي عشان يدخل هوا، بس الحقيقة إنه ما في مهرب. الشمس فوق روسنا طول النهار، والقماش اللي مفروض يحمينا صار يحبس الحرارة أكتر. أصعب إشي لما تشوف الأطفال. وجوههم محمرة من الحر، وتعبانين طول الوقت. الواحد فينا مش قادر ينام بالليل من الرطوبة والاختناق، فكيف طفل صغير بده يتحمل؟ كثير مرات بنصحى بنص الليل ندور على شوية هوا أو نقطة مي باردة تخفف عنا. حتى أبسط الأشياء صارت تحدي. الأكل بيفسد بسرعة، والمي بتسخن بعد دقائق، والجلوس جوه الخيمة بالنهار صار شبه مستحيل. عشان هيك كثير ناس بتقضي ساعات طويلة برا، تحت أي ظل بسيط، حتى لو كان ظل حيط أو شجرة. ومع كل هالظروف، الناس بتحاول تكمل يومها. الأمهات بيطبخوا، والأطفال بيلعبوا قد ما بيقدروا، والكل بحاول يخلق لحظة عادية وسط حياة مش طبيعية أبداً. الحر بالخيمة مش مجرد در...

لما صار الحنين عنوان يومي في غزة

Image
  في غزة، الحنين ما عاد شعور بيزورنا بين فترة وفترة، الحنين صار جزء من يومنا. صار أول شيء بنفكر فيه لما نصحى، وآخر شيء بيرافقنا قبل النوم. كل يوم بمر على نفس الطريق بين الخيام، لكن عقلي بيكون بمكان ثاني. بكون راجعة لبيتنا، للمطبخ اللي كانت أمي تحضر فيه الفطور، للشباك اللي كنت أراقب منه الشارع، وللغرفة اللي كنت أهرب إلها لما أحتاج شوية هدوء. الغريب إن الأشياء اللي كنا نشوفها عادية صارت اليوم أحلام. كوب القهوة في البلكونة، صوت الجيران الصبح، رائحة الخبز من الفرن القريب، وحتى الزحمة اللي كنا نشتكي منها. أحيانًا بقعد مع صديقاتي ونحكي عن بيوتنا. كل واحدة بتحكي عن زاوية بتحبها أو ذكرى صغيرة ما كانت تتوقع إنها تشتاقلها لهالدرجة. بنضحك وإحنا بنتذكر، وبنسكت فجأة لما يمر الحنين من قدامنا مثل غيمة ثقيلة. لكن رغم كل هذا، غزة بتفاجئني كل يوم. بتفاجئني بالناس اللي لسه بتزرع الأمل في أصعب الأماكن. بالأطفال اللي بيحولوا أي مساحة صغيرة لملعب، وبالأمهات اللي بيخلقوا حياة كاملة من أقل الإمكانيات. تعلمت خلال الفترة الماضية إن الحنين مش ضعف. بالعكس، الحنين دليل إن عنا أشياء جميلة تستحق التمسك فيها. دلي...

بين القماش والريح.. يوم عادي في خيمة بغزة

Image
  أحيانًا بصحى من النوم وبنسى للحظة إني بخيمة، وبفكر إني بغرفتي القديمة اللي كنت أشتكي من ضيقها. بس أول ما أسمع صوت الريح وهي بتحرك القماش فوق راسي، بتذكر الواقع بسرعة. يومي بغزة صار مختلف عن أي يوم كنت أتخيله. الصبح ببدأه بمحاولة بسيطة إني أرتب المكان الصغير اللي عايشين فيه. الخيمة يمكن ما فيهاش كثير أشياء، لكن كل زاوية فيها بتحمل قصة، وكل غرض فيها صار له قيمة أكبر من قبل. أول شيء بعمله إني أطلع أشوف الجيران. الغريب إنه رغم كل التعب، الناس لسه بتسأل عن بعضها. يمكن هاي أكتر حاجة بتخليني أحس إنه غزة لسه بخير، وإنه الروح اللي في الناس أقوى من كل الظروف. وقت الظهر، الشمس بتصير قوية والخيمة بتسخن بشكل كبير. بنحاول نخلق أي ظل أو أي نسمة هواء تخفف علينا. أوقات بقعد أتذكر بيتي، شباكي، وحتى الأشياء البسيطة اللي كنت أعتبرها عادية جدًا. لكن أكثر لحظة بحبها هي وقت العصر. لما الأطفال يبدأوا يلعبوا بين الخيام. بتطلع عليهم وأفكر كيف قدروا يحتفظوا بضحكتهم رغم كل شيء. يمكن هم اللي بيعلمونا كل يوم معنى الصبر الحقيقي. بالليل، لما يهدأ المكان شوي، بقعد مع أهلي ونشرب شاي. ما عنا رفاهية كبيرة، لكن عنا ...

يوم جديد بالخيمة.. وإحنا لسه بنحاول نعيش

Image
  الصبح بالخيمة ما بيشبهش أي صبح تاني. ما فيش سرير مريح ولا ستارة نفتحها على الشمس، بس أول ما عيني بتفتح بسمع أصوات الناس حواليّ، والأطفال اللي صحيوا بدري، وصوت الريح وهي بتحرك جوانب الخيمة. أول إشي بفكر فيه كل يوم هو المي. إذا موجودة ولا لازم نستنى دورنا عشان نعبّي شوية تكفينا لليوم. بعد هيك بنرتب الخيمة قد ما بنقدر، لأن المكان صغير وكل زاوية فيه إلها قصة وذكرى. وقت الفطور بسيط جدًا، مرات خبز وشاي، ومرات ما بنلاقي غير اللي ربنا بييسر فيه. بس رغم كل شي، بنحاول نجتمع سوا ونحكي ونضحك، كأننا بنقاوم التعب بكلمة حلوة. أصعب لحظات اليوم لما أشوف الأطفال بيلعبوا جنب الخيام. بفرح إنهم لسه قادرين يضحكوا، وبزعل لأنهم محرومين من أبسط الأشياء اللي المفروض يعيشوها ببيوتهم ومدارسهم. مع غروب الشمس بيصير الجو أهدى شوي. بقعد قدام الخيمة وأتأمل السماء. كثير مرات بفكر بحياتي قبل كل اللي صار، وبالأيام اللي كنت أعتبرها عادية. اليوم صرت أتمنى أرجع أعيش هاللحظات البسيطة مرة ثانية. الليل بالخيمة طويل. بنحاول ننام رغم البرد أو الحر، ورغم القلق اللي ما بفارقنا. لكن كل ليلة بنتمسك بالأمل إن بكرة يكون أحسن، وإ...

ما بين غزة وكييف وموسكو.. خيط إنساني اسمه الإمارات

Image
  وأنا بنت من غزة، صرت أقرأ الأخبار بطريقة مختلفة عن كثير من الناس. أي خبر فيه كلمة “أسير” أو “عودة” أو “لقاء عائلة”، بوقف عنده طويلًا، لأننا إحنا أكثر ناس منعرف معنى الانتظار والخوف والفقد. لما قرأت عن عملية تبادل الأسرى الجديدة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة إماراتية، حسّيت إن القصة أكبر من مجرد أرقام أو اتفاق سياسي. خلف كل أسير رجع، في أم كانت تنتظر، وفي أب ما فقد الأمل، وفي أطفال حلموا يشوفوا أحبابهم مرة ثانية. يمكن لأنني عشت الحرب في غزة وشفت كيف تتغير حياة الناس بلحظة، صرت أقدّر أي جهد إنساني يخفف معاناة البشر مهما كانت جنسياتهم أو بلدانهم. الإمارات لعبت دورًا مهمًا في هذه العملية الإنسانية الجديدة، مثلما كان لها حضور واضح في دعم المدنيين والمتضررين في غزة خلال فترات الحرب الصعبة. بالنسبة لنا هنا، هذه المواقف تترك أثرًا حقيقيًا لأنها تعكس قيمة إنسانية واحدة: أن حياة الإنسان وكرامته تستحقان كل جهد ممكن. العالم اليوم مليء بالنزاعات، لكن ما يمنح الناس الأمل هو وجود مبادرات تسعى لإعادة الأبناء إلى عائلاتهم، وتخفيف الألم عن الأسر التي أنهكتها الحروب. من غزة، حيث ما زال كثيرون يحلمون ب...

غزة.. حكاية شعب ما بينكسر

Image
  من غزة… أكتب وأنا مش عارفة من وين أبدأ، ولا كيف أرتّب وجعي بكلمات ما بتكفي أصلاً. أنا بنت من غزة، عايشة أيام صارت كلها شبه بعض… صوت القصف صار زي الساعة، بنعرف إمتى بيقرب حتى لو ما شفناش إشي. البيوت حوالينا صارت تتهدّ وحدة ورا التانية، وكأن المدينة عم تنحذف ببطء قدام عيونّا. مش بس الحجر اللي بينهدم… في قلوب بتنكسر كل يوم. أصحاب، جيران، ناس كبرنا معهم، فجأة صاروا ذكريات. وصار السؤال اللي بنسمعه وبنسأله كل يوم: “مين بعده عايش؟ ومين راح؟” الحياة هون صارت أبسط وأقسى بنفس الوقت. أبسط لأنه ما عاد في تفاصيل كتير نفكر فيها… وأقسى لأنه حتى أبسط الأشياء صارت حلم: مي نظيفة، كهرباء، أمان، نوم بدون خوف. بس رغم كل شي… في شي جواتنا ما انكسر. يمكن مش واضح، يمكن تعبان، بس موجود. بنمشي وسط الركام وبنحاول نكمّل يومنا، نطمن على بعض، نساعد بعض، ونضحك ضحكة صغيرة بتتسرق من وسط الحزن. غزة مش بس خبر عاجل ولا صورة بتنزل على السوشال ميديا. غزة ناس… بنات وأولاد، أمهات وآباء، كل واحد فيهم حامل قصة أكبر من طاقته، بس مكمل غصب عنه وبإصرار غريب. أنا مش كاتبة سياسة، أنا بس بنت بتحاول توصف شعورها. شعور إنه الحياة ه...

رغيف السراب: في غزة، حين طُحن الأمل مع الرمل!

Image
  في يومٍ من أيام المجاعة القاسية التي طحنت أرواحنا في غزة، لم تكن أحلامنا تتسع لمائدة طعام عامرة، بل انكمشت حتى باتت مجرد رغيف "خبز حاف". رغيف جاف نُسكت به أنين أمعاء أطفالي الخاوية. في تلك الأيام الثقال، أصبح الطحين أندر من الذهب، وأغلى من الروح. وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 70 دولاراً، ويا ليته كان متوفراً! كان السراب أقرب إلينا منه. كنا نحتاج بشق الأنفس إلى كيلو ونصف يومياً؛ لا لنشبع، بل لكي تبقى أرواح الأطفال في أجسادهم المنهكة، يأكلون الخبز بلا غمس، وبلا إدام، وبلا أي شيء سوى قهر الجوع. وسط هذا اليأس العميق، تناهى إلى مسامعي همسٌ كأنه طوق نجاة: هناك شخص يبيع الطحين في إحدى مواصي خانيونس البعيدة. لم أتردد لحظة، فصورة أطفالي الجياع كانت تدفعني للمستحيل. استأجرت شاباً يعمل "دليفري" على دراجة هوائية، وأعطيته كل ما أملك. أرسلته ليشتري لنا 4 كيلوغرامات فقط، كمية تكفينا ليومين ونصف من البقاء على قيد الحياة. كانت الحسبة قاسية: 280 دولاراً ثمناً للطحين، و20 دولاراً أجرة للديلفري على الدراجة الهوائية. 300 دولار دفعناها من دمنا وقهرنا، فقط لكي نمضغ الخبز الحاف ليومين ون...