رغيف السراب: في غزة، حين طُحن الأمل مع الرمل!
في يومٍ من أيام المجاعة القاسية التي طحنت أرواحنا في غزة، لم تكن أحلامنا تتسع لمائدة طعام عامرة، بل انكمشت حتى باتت مجرد رغيف "خبز حاف". رغيف جاف نُسكت به أنين أمعاء أطفالي الخاوية. في تلك الأيام الثقال، أصبح الطحين أندر من الذهب، وأغلى من الروح. وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 70 دولاراً، ويا ليته كان متوفراً! كان السراب أقرب إلينا منه. كنا نحتاج بشق الأنفس إلى كيلو ونصف يومياً؛ لا لنشبع، بل لكي تبقى أرواح الأطفال في أجسادهم المنهكة، يأكلون الخبز بلا غمس، وبلا إدام، وبلا أي شيء سوى قهر الجوع. وسط هذا اليأس العميق، تناهى إلى مسامعي همسٌ كأنه طوق نجاة: هناك شخص يبيع الطحين في إحدى مواصي خانيونس البعيدة. لم أتردد لحظة، فصورة أطفالي الجياع كانت تدفعني للمستحيل. استأجرت شاباً يعمل "دليفري" على دراجة هوائية، وأعطيته كل ما أملك. أرسلته ليشتري لنا 4 كيلوغرامات فقط، كمية تكفينا ليومين ونصف من البقاء على قيد الحياة. كانت الحسبة قاسية: 280 دولاراً ثمناً للطحين، و20 دولاراً أجرة للديلفري على الدراجة الهوائية. 300 دولار دفعناها من دمنا وقهرنا، فقط لكي نمضغ الخبز الحاف ليومين ون...