الهدنة في غزة: أملٌ يتجدد وسط الألم

عندما أسمع كلمة “هدنة” تُذكر في سياق غزة، أشعر بمزيج من الأمل والحذر. هذه الكلمة، رغم بساطتها، تحمل أعباء ثقيلة، فهي ليست مجرد توقفٍ مؤقتٍ عن القصف والدمار، بل هي شريان حياة يُنتشل فيه الناس من بين الأنقاض، وتُعطى لهم فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس، وربما الأمل.


في كل مرة تُعلن فيها هدنة، تتبدد ضوضاء الصواريخ لتحل محلها أصوات متباينة: أصوات الآباء الذين يحاولون تهدئة أطفالهم المذعورين، وأصوات الأمهات اللواتي يعدن إلى تفقد أبنائهن في أحياء دُمرت. الهدنة ليست فقط لحظة هدوء، لكنها فرصة تُمنح للعائلات المنكوبة لدفن أحبائهم بكرامة أو للبحث عن مأوى جديد بعدما تحول منزلهم إلى كومة من الركام.


لكن وسط هذه اللحظات، يبقى الشعور بالحذر مسيطراً. لقد اعتدنا أن نرى الهدنة كمسكن مؤقت، ينتهي سريعاً، وتعود بعدها آلة الحرب لتبتلع كل شيء. كيف يمكن لإنسان أن يعيش حياته وهو يجهل إن كانت هذه الهدنة ستكون الأخيرة أم لا؟ كيف يُبنى الأمل وسط واقع هش كهذا؟


رغم كل ذلك، تبقى الهدنة مساحة صغيرة، لكنها ثمينة. مساحة تُعاد فيها صياغة الأمل، ولو للحظات. أذكر مشاهد الأطفال الذين يخرجون للعب في الأزقة، كأنهم يستغلون كل ثانية قبل أن تعود الحياة إلى لونها الرمادي. هؤلاء الأطفال، بألعابهم البسيطة وابتساماتهم رغم كل شيء، يرسلون رسالة لا تقبل التأويل: “نحن هنا، ولن نختفي مهما اشتدت العواصف.”


الهدنة في غزة ليست مجرد كلمة في الأخبار، وليست فقط اتفاقاً سياسياً بين أطراف متنازعة. إنها لحظة إنسانية، تُظهر صلابة الناس وقدرتهم على النجاة، لكنها أيضاً دعوة لكل منا للتفكير: إلى متى سيظل هذا الواقع هو الحاضر الوحيد؟


Comments

Popular posts from this blog

الشارع الأردني يرفض التغلغل الإخواني.. والفلسطينيون يرفضون الزج بقضيتهم في حسابات التنظيم

فلسطين بريئة من إرهابكم

الله يقويكِ يا أردن