أنا من غزة… وهذه حكايتي
أنا فتاة من غزة، أعيش في بقعة صغيرة من الأرض، لكنها تحمل من المعاناة ما يكفي لعالم بأكمله. اسمي ليس مهمًا، لأن قصتي تشبه قصص آلاف الفتيات هنا. نحن نكبر في مكان لا يكبر فيه الأمل بسهولة، لكننا نحمله في قلوبنا كعناد غزي لا يموت.
كل صباح أستيقظ على أصوات ليست كأصوات المدن الأخرى: أصوات مولدات الكهرباء، صفارات الإنذار أحيانًا، وربما طائرات لا نراها لكننا نسمعها. الكهرباء عندنا ليست من المسلّمات، كما الماء، كما الإنترنت، كما الأمان. ومع ذلك، أفتح عيني كل يوم وأقول: “سأحاول اليوم أن أعيش.”
أذهب إلى جامعتي، حين تكون الطرقات سالكة وحين لا يكون هناك عدوان. أدرس الأدب الإنجليزي، وأحلم أن أصبح كاتبة. أحب أن أكتب لأني أشعر أن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاحتلال مصادرته. أكتب لأنني لا أستطيع الصراخ، لأن البكاء وحده لا يكفي، ولأنني أريد أن أترك أثرًا، حتى لو كان بحروف على شاشة.
في غزة، الحياة ليست طبيعية، لكنها ليست موتًا مستمرًا أيضًا. نحن نحب، ونضحك، ونرقص في أعراسنا، ونفرح رغم كل شيء. نحلم أكثر مما ينبغي، لأن الحلم هو المساحة الوحيدة الحرة. نحب البحر، لأنه الأفق الوحيد المفتوح أمامنا، رغم أنه محاصر مثلنا. أذهب أحيانًا إلى الشاطئ، أجلس هناك، أكتب، أتنفس، وأتخيل حياة خارج الجدران.
لكن الحقيقة ليست شعرية دائمًا. الحرب ليست في القصائد، بل في البيوت التي تهدم، في الأمهات التي تبكي، في الأطفال الذين ينامون على صوت القصف. جربت الحرب، أكثر من مرة، وكل مرة أقول لنفسي: “نجوت، لكن هل سأنجو المرة القادمة؟”
أنا من غزة، وكوني فتاة يعني أن لي معركتين: معركة مع الاحتلال، ومعركة لأحجز مكاني في مجتمع محافظ، لأُثبت أن صوتي مهم، أن كلمتي تستحق أن تُقرأ، أن أحلامي لا تقل قيمة عن أحلام أي فتاة تعيش في مدينة آمنة.
غزة ليست مجرد أخبار عابرة في نشرات العالم. غزة أنا. غزة أمي التي تخبز الخبز على الحطب حين تنقطع الكهرباء. غزة أبي الذي يعود متعبًا من عمل لا يدرّ كثيرًا لكنه لا يتوقف عن المحاولة. غزة أخي الذي يحلم بالسفر، لكنه يحتفل بكل مرة يستطيع فيها الخروج من البيت بأمان.
أنا لا أطلب الشفقة. أطلب فقط أن تُسمع قصتنا. أن نُرى كأناس، كبشر، كأحلام مؤجلة تنتظر فسحة من الضوء. أنا فتاة من غزة، وحكايتي لم تنتهِ بعد.

Comments
Post a Comment