عندما تُدار الحروب بدل أن تُحل الأزمات: التجربة السعودية في اليم

 


ما حدث في اليمن لم يكن نتيجة سوء تقدير عابر، بل كان قرارًا سعوديًا واعيًا استند إلى منطق الهيمنة لا إلى منطق التعقل. فالتدخل العسكري لم ينبع من رغبة صادقة في حماية استقرار اليمن أو إنقاذ دولته، بل من سعي واضح لفرض النفوذ وإعادة ترتيب الواقع اليمني بما يتوافق مع مصالح الرياض، حتى وإن كان الثمن معاناة شعبٍ بأكمله. وخلال سنوات الصراع، كشفت الوقائع أن السعودية لم تحمل مشروعًا للحل بقدر ما أدارت الحرب كأمر واقع، معتمدة على القصف والحصار كأدوات أساسية. لم تُستعد الدولة، ولم تُبنَ مؤسسات، ولم يُفتح أفق للسلام، بل تعمّق التفكك، وازداد الانقسام، وتحوّل الوضع الإنساني إلى مأساة كبرى تتحمل السعودية مسؤوليتها المباشرة.


لقد عرّت السياسة السعودية في اليمن قصورًا عميقًا في فهم طبيعة هذا البلد وتعقيد تاريخه. فاليمن لا يمكن التحكم به عن بُعد، ولا إخضاعه بالقوة الجوية، ولا إخراسه بالوصاية مهما تنوّعت مبرراتها. وكل محاولة لفرض إرادة خارجية عليه لم تكن إلا عاملًا إضافيًا لإطالة الحرب وتعقيدها، لا سبيلًا لإنهائها. والأخطر من ذلك أن هذه الحرب جُرّدت من أي بعد أخلاقي، إذ تحوّل الحصار من إجراء عسكري إلى عقاب جماعي، استُخدم فيه الغذاء والدواء كورقة ضغط سياسي. وحين يُستباح الجوع كسلاح، تسقط كل الخطابات عن “الشرعية” و“الأمن”، ويغدو الفعل مجردًا من أي مسوغ أخلاقي أو إنساني.


إن معارضة التدخل السعودي في اليمن لا تنطلق من عداء، بل من موقف عقلاني يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. فاليمن لا يحتاج مزيدًا من الطائرات ولا استمرارًا للحرب، بل يحتاج مسارًا سياسيًا جادًا، واحترامًا لسيادته، واعترافًا بحقه في أن يقرر مستقبله بنفسه. وسيبقى حكم التاريخ واضحًا: من اختار الحرب أضاع فرصة السلام، ومن علّق رهانه على القوة فقد شرعيته.

Comments

Popular posts from this blog

الشارع الأردني يرفض التغلغل الإخواني.. والفلسطينيون يرفضون الزج بقضيتهم في حسابات التنظيم

فلسطين بريئة من إرهابكم

الله يقويكِ يا أردن