غزة في قلبي

 


كبرتُ في غزة، المدينة التي علّمتني أن أكون قوية حتى عندما ينكسر كل شيء من حولي. هنا، لا يشبه الصباح أي صباح آخر في العالم. قد تستيقظ على زقزقة العصافير، أو على دويّ انفجار يهزّ الأرض تحت قدميك. لكننا رغم ذلك ننهض، نرتّب أرواحنا كما نرتّب أَسرّتنا، ونمضي لنكمل يومنا كما لو أن الحياة طبيعية.


أنا فتاة من غزة، وهذا يعني أنني تعلّمت منذ الصغر كيف أعيش بين نقيضين: الخوف والأمل، الدمار والإصرار، الفقد والتمسّك بالحياة. حين كنتُ صغيرة، كنتُ أظنّ أن انقطاع الكهرباء هو لعبة علينا أن نتأقلم معها، وأن صوت الطائرات في السماء هو جزء من موسيقى الحياة هنا. لم أدرك حينها أن ما نعتبره “عاديًا” في غزة، هو أمر لا يتخيله أحد خارجها.


في مدينتي، البحر هو المتنفّس الوحيد، لكنه أيضًا حدٌّ يفصلنا عن عالم لا نستطيع الوصول إليه. أقف أمامه أحيانًا وأشعر أنه مرآةٌ تعكس كل ما بداخلنا: حزننا، أحلامنا، وتلك الرغبة الخفية في العبور إلى ضفة أخرى من الحياة، حيث لا قيود ولا حصار.


أن تكوني فتاة من غزة يعني أن تحملي الوطن في قلبك أينما ذهبتِ، وأن تفهمي معنى الفقد باكرًا جدًا. فقدت صديقات لي بسبب العدوان، سمعتُ قصصًا عن بيوت كانت تمتلئ بالضحك ثم صارت رمادًا. لكنني أيضًا رأيت كيف يولد الأمل وسط كل هذا الخراب، كيف تستمر الأعراس، وكيف نذهب إلى الجامعات رغم كل شيء، وكيف نضحك بصدق، حتى لو كان في داخلنا ألف جرح.


غزة ليست فقط مدينة، إنها درس في الصبر والقوة، في الحلم رغم الحصار، في الحب رغم الألم. وأنا، كفتاة من غزة، أحملها معي أينما ذهبت، وأعرف أنني مهما ابتعدت، ستظل غزة تسكنني دائمًا.

Comments

Popular posts from this blog

الشارع الأردني يرفض التغلغل الإخواني.. والفلسطينيون يرفضون الزج بقضيتهم في حسابات التنظيم

فلسطين بريئة من إرهابكم

The Humanitarian Crisis in Northern Gaza: A Growing Famine