شتاء صعب في غزة
كان المطر هذه المرة أثقل مما اعتدته، ليس لأن قطراته أكبر، بل لأنني لم أعد أمتلك مساحة دافئة أترك لها بلل الخوف. أنا فتاة من غزة، وكلما بدأت السماء بالبكاء، شعرتُ أنني أحتاج أن أحتضنها، رغم أنها لا تحتضن أحدًا هنا… نحن الذين نقف تحتها، مكشوفي القلوب والبيوت.
في الليلة الماضية، تساقط المطر بحدة على الأسطح المكسورة، وصار صوت القطرات أعلى من أصواتنا. كنتُ أسمعه يضرب الزنك فوق رأسي وكأنه ينادي: هل ما زلتم هنا؟
نعم، ما زلنا هنا… لكننا نحمل وجعًا لا يذوب.
فرشتُ بطانية رطبة على الأرض، وحاولت أن أجد بقعة جافة أجلس فيها، لكن الماء كان أسرع منا. يتسرّب من الجدران كالذكريات التي لا يمكن إيقافها. أمي كانت تحاول حماية الملابس المعلقة على حبلٍ ضعيف، وأنا أحاول حماية دفئي الذي لم يبق منه إلا أطراف أصابع ترتجف.
أمسكتُ بكوب شايٍ لم يكتمل سخونه، وأخذت أنظر إلى باب الغرفة الذي لم يعد يغلق، فكلما حاولتُ سحبه عاد لينفتح، كأنه يعرف أننا بحاجة لشيء يدخل… هواء، رحمة، أو ربما مجرّد لحظة نسيان.
في الخارج، رأيت الأطفال يركضون في المطر. لا أعرف كيف وجدوا في الماء فرصة للعب، لكنني أدركت أن الطفولة هنا تشبه المطر: قصيرة، خفيفة، وسريعة الهروب.
أما أنا، فكنت أحلم فقط بسقف لا يقطر، وليلٍ لا يفضح خوفنا، ونافذة يمكنها أن ترى الفجر دون أن ترتجف.
الغريب في الأمر أن المطر، رغم ثقله علينا، يحمل شيئًا من الطهارة التي نحتاجها. يغسل التراب العالق على عتباتنا، وينظّف الشوارع المتعبة، ويُسمعنا أن الأرض — رغم تعبها — ما زالت قادرة على الحياة.
لكن ماذا عنّا نحن؟
هل سنظل قادرين على الوقوف كلما هطلت السماء؟
أحيانًا أشعر بأن المطر هنا لا ينزل من الغيم فقط، بل من قلوبنا نحن. كأن كل دمعة لم نجد وقتًا لنذرفها، تسقط بدلًا منا على الأرصفة.
هذه أنا… فتاة من غزة، أكتب في ليلة ممطرة، أحاول أن أقول للعالم إن البرد ليس ما يخيفنا، ولا المطر، ولا الريح. ما يخيفنا حقًا هو أن نعتاد هذا كله… أن يصبح البلل جزءًا من جلدنا، والظلام جزءًا من يومنا، والخوف عادة نمارسها قبل النوم.
ومع ذلك، كلما سمعت صوت المطر، رفعت رأسي قليلًا نحو السماء.
ربما لأنني ما زلت أؤمن أن شيئًا نقيًا، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يسقط علينا… ويعلّمنا من جديد كيف نبدأ يومًا آخر.

Comments
Post a Comment