غزة.. المدينة التي لا تنام على الوجع وحدها
غزة ليست خبرًا في نشرة المساء، ولا مجرد صورة عابرة تتكرر على شاشاتنا حتى نألفها.
غزة، ببساطة، هي مرآة الإنسان حين يُختبر في أقصى حدود صبره، هي المدينة التي تعلّمنا أن الحصار لا يُغلق الروح، وأن الرماد قد يُنبت وردًا إذا سُقي بالكرامة.
كلما نظرتُ إلى صورها، رأيت وجوهًا لا تُشبه الهزيمة. أطفال يركضون حفاةً بين الركام، يحملون في جيوبهم بقايا أحلام صغيرة، ونساءً يخبزن الخبز في الظلال، ليقولن للعالم: “نحن هنا، وما زلنا نحب الحياة.”
غزة لا تبكي، رغم أن لها ألف سبب للبكاء.
هي التي تودّع أبناءها كل يوم، ثم تقف في اليوم التالي لتكنس غبار الحرب، وتغسل الجدران وتزرع النعناع في عتبة البيت، كما لو أن الغد وعدٌ مؤجل.
في غزة، لا معنى للوقت كما نعرفه.
هناك، الصباح لا يبدأ بالشمس، بل بصوت الأذان وارتجاف القلب، والليل لا ينتهي بالهدوء، بل بانفجار بعيد يذكّر الجميع أن الأمان رفاهية لا تُمنح للجميع.
ومع ذلك، ثمة شيء مدهش في هذه المدينة.
في كل مرة نحسبها انكسرت، تنهض من جديد.
تُرمّم جراحها بضحكة طفل، وبكلمة “اصمدوا” التي أصبحت شعارًا يتجاوز اللغة والسياسة.
غزة لا تحتاج أن نرثيها، بل أن نراها كما هي: حيّة، مقاومة، جميلة رغم كل شيء.
أن نحكي عنها لا كضحية، بل كأيقونة إنسانية تُذكّرنا بما يمكن أن يفعله الإيمان بالحياة، حتى في أحلك الظروف.
غزة ليست بعيدة،
إنها في القلب، في النبض، في كل نفس نأخذه بحرية، لأن هناك من يحرس المعنى خلف الجدران والأسلاك.

Comments
Post a Comment