رغيف السراب: في غزة، حين طُحن الأمل مع الرمل!
في يومٍ من أيام المجاعة القاسية التي طحنت أرواحنا في غزة، لم تكن أحلامنا تتسع لمائدة طعام عامرة، بل انكمشت حتى باتت مجرد رغيف "خبز حاف". رغيف جاف نُسكت به أنين أمعاء أطفالي الخاوية.
في تلك الأيام الثقال، أصبح الطحين أندر من الذهب، وأغلى من الروح. وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 70 دولاراً، ويا ليته كان متوفراً! كان السراب أقرب إلينا منه. كنا نحتاج بشق الأنفس إلى كيلو ونصف يومياً؛ لا لنشبع، بل لكي تبقى أرواح الأطفال في أجسادهم المنهكة، يأكلون الخبز بلا غمس، وبلا إدام، وبلا أي شيء سوى قهر الجوع.
وسط هذا اليأس العميق، تناهى إلى مسامعي همسٌ كأنه طوق نجاة: هناك شخص يبيع الطحين في إحدى مواصي خانيونس البعيدة. لم أتردد لحظة، فصورة أطفالي الجياع كانت تدفعني للمستحيل. استأجرت شاباً يعمل "دليفري" على دراجة هوائية، وأعطيته كل ما أملك. أرسلته ليشتري لنا 4 كيلوغرامات فقط، كمية تكفينا ليومين ونصف من البقاء على قيد الحياة.
كانت الحسبة قاسية: 280 دولاراً ثمناً للطحين، و20 دولاراً أجرة للديلفري على الدراجة الهوائية. 300 دولار دفعناها من دمنا وقهرنا، فقط لكي نمضغ الخبز الحاف ليومين ونصف.
مرت الساعات ثقيلة، بطيئة، كأن كل دقيقة فيها دهرٌ من القلق. كنا ننتظر عودته كما ينتظر المحكوم بالإعدام قرار العفو. وأخيراً عاد الديلفري.
كان يحمل بين يديه أربعة باكيتات ورقية مغلقة بإحكام. نظرنا إليها وكأنها صناديق من الكنز الخالص. التففنا حولها، أنا وأطفالي، والعيون تلمع ببريق الأمل الممزوج بلهفة الجوع الفطري. كنا نتخيل رائحة العجين، ودفء الخبز، وراحة الشبع ولو لسويعات.
بأيدٍ ترتجف من فرط اللهفة والتعب، فتحنا الأكياس لنعجن خبزنا الموعود.
وهنا، توقف الزمن.
لم يكن هناك طحين. لم يكن هناك قمح، ولا حياة.
ما تدفق من الأكياس لم يكن سوى جبس أبيض ممزوج بالرمل.
ساد صمتٌ مرعب، صمتٌ يصرخ بألف وجع. تبخرت رائحة الخبز التي تخيلناها، وحل مكانها غبار الخديعة البارد. نظرتُ إلى وجوه أطفالي التي كانت تبتسم قبل ثوانٍ، فرأيت الخيبة تبتلع ملامحهم.
لم يبكِ الأطفال من الجوع حينها، بل بكينا جميعاً من فرط القهر. صدمةٌ شلت تفكيرنا، وخذلانٌ لم يمزق جيوبنا فحسب، بل طحن أرواحنا. في تلك اللحظة، أدركنا أن أسوأ من الجوع الذي ينهش بطون أطفالنا، هو ذلك الانعدام القاسي للإنسانية الذي سرق أملنا، وباعنا الرمل والجبس بثمن أرواحنا.

Comments
Post a Comment