غزة قبل الحرب… لما كان البيت يعني الأمان



في غزة زمان، البيت ما كان مجرد أربع حيطان وسقف. كان المكان اللي بتبدأ فيه الحكايات وبتنتهي، المكان اللي بتجتمع فيه العيلة، واللي كل زاوية فيه بتحمل ذكرى.

كانت الأمهات تقضي ساعات بالمطبخ، وريحة الأكل توصل لكل البيت، والأب يرجع من شغله، والأولاد يتجمعوا حول السفرة. يمكن كانت الوجبة بسيطة، بس كانت اللمة هي اللي بتعطيها طعمها.

في العطلة، كان البيت يصحى متأخر شوي. الأطفال يتخانقوا على التلفزيون أو اللعبة، وبعدين يرجعوا يضحكوا كأن ما صار شيء. الجدة تقعد تحكي عن زمان، والأقارب يزوروا بعض بدون تكلف، وكوب القهوة يضل حاضر بكل قعدة.

حتى سطح البيت كان إله حكايات. ناس تطلع تقعد بالليل، تشرب شاي، تحكي عن يومها، والأطفال يراقبوا السما والنجوم. وفي الصيف، كانت العيلة تدور على نسمة هوا تخفف عنهم الحر.

الأعياد كانت تحول البيوت لخلية حياة. ملابس جديدة معلقة، حلويات على الطاولة، أطفال مستنيين العيدية، وأقارب داخلين وطالعين. كانت البيوت تضيق بأهلها، لكن ما حدا كان يحس إنها ضيقة، لأن اللمة كانت أهم من المساحة.

اليوم، كثير من أهل غزة لما يتذكروا بيوتهم، ما بيتذكروا الجدران بس. بيتذكروا صوت الباب، مكان السفرة، غرفة الأولاد، صورة معلقة على الحيط، شجرة قدام البيت، أو فنجان قهوة كانت الأم تحطه بنفس المكان كل صباح.

هاي التفاصيل الصغيرة هي اللي بتخلّي فقدان البيت أصعب. لأن الإنسان لما يخسر مكانه، مش بس بخسر حجر وإسمنت؛ أحيانًا بخسر المكان اللي كان مخزن فيه سنين من حياته.

ورغم كل الوجع، بيضل حلم العودة حاضر. العودة لبيت آمن، أو حتى بداية جديدة في مكان يقدر الإنسان يسميه «بيتي». مكان يرجع فيه الأطفال يضحكوا، وتعود فيه العيلة تجتمع حول سفرة واحدة.

غزة قبل الحرب ما كانت خالية من التعب والمشاكل، لكنها كانت مليانة لحظات عادية. واليوم، هاي اللحظات العادية هي اللي صار الناس يشتاقوا إلها أكتر.

يمكن أجمل صورة لغزة في ذاكرة أهلها مش صورة كبيرة أو مشهد استثنائي، بل صورة عيلة مجتمعة في بيتها، بابها مسكر، وأطفالها نايمين بأمان… والكل مطمئن إن بكرة رح ييجي مثل أي يوم عادي.


Comments

Popular posts from this blog

الإخوان يفبركوا.. والإمارات تدعم: وعي الغزاويين بين الحقيقة والكذب

اللي بصير بجنوب اليمن… حرب بلا شرف

الإمارات داسِت على رواية إيران.. ليش طلعت من أوبك فعلًا