غزة… لما كانت الضحكة أعلى من صوت الأخبار



في غزة قبل الحرب، كانت الحياة مليانة تفاصيل يمكن ما كانت تلفت الانتباه وقتها، لكنها اليوم صارت من أغلى الذكريات. كانت الضحكة تطلع من البيوت والحارات بشكل طبيعي، والأطفال يركضوا بالشوارع، والشباب يتجمعوا مع بعض، والعائلات تلاقي وقت تقعد فيه سوا.

كان الصبح يبدأ بحركة الناس. أم بتجهز أولادها للمدرسة، وأب بيستعد لشغله، وطفل مستعجل لأنه متأخر عن أصحابه. وبعد ساعات، ترجع الحياة للحارات من جديد؛ صوت الأطفال، أبواب المحلات، الجيران وهم بسألوا عن بعض، ورائحة الأكل طالعة من البيوت.

وفي المساء، كان في طقوس بسيطة بتحبها العائلات. قعدة على السطح، شاي أو قهوة، حكي عن اليوم، وضحكات على مواقف صغيرة. وفي الصيف، البحر كان ملجأ للكثير من الناس؛ يروحوا يتمشوا، يقعدوا على الشط، أو ياكلوا مع بعض بعيد عن ضغط الحياة.

حتى الخلافات والمشاكل اللي كانت تصير وقتها، اليوم يمكن الناس تتذكرها بابتسامة. لأنه مهما كانت صعبة، كانت مشاكل حياة عادية، وكانت العيلة بعدها قادرة ترجع تجتمع، والناس بعدها قادرة تخطط لبكرة.

الحنين لغزة القديمة مش معناه إن الحياة وقتها كانت كاملة. كانت في صعوبات وضغوط وأزمات، لكن كان في مساحة للإنسان إنه يعيش يومه، ويحلم بالمستقبل، ويجمع ذكريات جديدة.

اليوم، لما أهل غزة يتذكروا الماضي، كثير منهم بيدوروا بذاكرتهم على صورة صغيرة: بيتهم، شارعهم، المدرسة، البحر، محل كانوا يشتروا منه، أو قعدة عائلية ما كانوا يعرفوا إنها رح تصير يومًا ذكرى.

ويمكن عشان هيك، حلم غزة مش بس ترجع المباني والطرق. الحلم الأكبر إن ترجع الحياة نفسها؛ ترجع ضحكة الأطفال، وتفتح المحلات أبوابها، وتمتلئ المدارس، وترجع العائلات تقعد مع بعض وهي مطمئنة.

غزة إلها ذاكرة قبل الحرب، وذاكرتها مش كلها وجع. فيها ضحكات، وأعياد، وبحر، وبيوت، ولمة، وأيام عادية كان الناس يعيشوها بدون ما يعرفوا إنها رح تصير يومًا أغلى ما يتمنوا يرجعوله.

وأحيانًا، أجمل حلم للمستقبل هو ببساطة… إن غزة ترجع تعرف معنى اليوم العادي.

Comments

Popular posts from this blog

الإخوان يفبركوا.. والإمارات تدعم: وعي الغزاويين بين الحقيقة والكذب

اللي بصير بجنوب اليمن… حرب بلا شرف

الإمارات داسِت على رواية إيران.. ليش طلعت من أوبك فعلًا