غزة… صباح كان يشبه كل صباح
قبل الحرب، كان في غزة صباحات عادية جدًا، يمكن وقتها ما حدا كان يفكر فيها كثير. صوت المنبه، حركة الناس بالشوارع، الأطفال وهم بجهزوا حالهم للمدرسة، وريحة القهوة طالعة من البيوت.
الأم كانت تصحى بدري تجهز الفطور، والأب يستعد لشغله، والأولاد يتخانقوا مين يدخل الحمام أول، ومين أخذ قطعة الخبز الأكبر. تفاصيل صغيرة جدًا، لكنها كانت تعني إن الحياة ماشية بشكل طبيعي.
على الشوارع، كانت المحلات تفتح أبوابها وحدة ورا الثانية. صاحب المخبز يعرف زباينه، والبياع ينادي على بضاعته، وسيارات الأجرة تتحرك بين الحارات. كل واحد كان عنده مشواره، وكل شارع كان إله حركة وصوت.
الطلاب كانوا يمشوا للمدرسة وهم حاملين شنطهم، بعضهم مستعجل، وبعضهم واقف يحكي مع أصحابه قبل ما يدخل. كانوا يفكروا بالامتحان، وبالحصة الجاية، وبشو رح يعملوا بعد المدرسة.
وبعد الظهر، ترجع العائلات تجتمع. غدا بسيط، قعدة قصيرة، وبعدها كل واحد يرجع لأشغاله. وفي المساء، تبدأ زيارة الأقارب أو قعدة الأصحاب، ويمكن تنتهي الليلة بكاسة شاي وحكاية طويلة.
البحر كمان كان حاضرًا في يوم أهل غزة. ناس تروح عليه عشان تغير جو، شباب يقعدوا على الشط، وأطفال يركضوا على الرمل. كان البحر جزءًا من الحياة، مش مجرد منظر في الصور.
اليوم، لما الناس تتذكر هاي الصباحات، يمكن أكثر شيء يشتاقوا له هو بساطتها. ما كان في شيء استثنائي فيها، لكنها كانت تحمل شعورًا مهمًا: إن بكرة رح يكون موجود، وإن الإنسان عنده مكان يرجع له وروتين يعرفه.
الحرب بتغيّر أشياء كثيرة، لكن الذكريات بتضل محتفظة بالتفاصيل. صوت الأم، باب البيت، طريق المدرسة، ريحة الخبز، قعدة العيلة، وصوت البحر.
وعشان هيك، حلم أهل غزة مش بس إنهم يشوفوا مباني جديدة. حلمهم يرجع ييجي صباح عادي، يفتحوا فيه الشبابيك، يطلع الأطفال على مدارسهم، يفتح أصحاب المحلات أبوابهم، وتبدأ المدينة يومها بدون خوف.
صباح ما يكون فيه سؤال: «شو رح يصير اليوم؟»
بل سؤال بسيط جدًا: «شو بدنا نعمل اليوم؟»
وهذا يمكن يكون أبسط شكل للحياة الطبيعية، وأكبر أمنية ممكن يتمناها أهل غزة.

Comments
Post a Comment