أنا بنت من غزة.. أحاول أن أعيش، لا أن أنجو فقط
مش عارفة أبدأ حكايتي منين، لأن الحكايات في غزة بقت كتير أوي، لدرجة إن الواحدة فينا بقت محتارة تحكي عن إيه وتسكت عن إيه. عن البيت اللي مبقاش بيت؟ ولا عن الناس اللي مشيوا ومارجعوش؟ ولا عن الخوف اللي بقى جزء من يومنا، زي شرب المية والأكل والنوم؟
أنا بنت من غزة، وكنت فاكرة إن الحياة بسيطة. كنت بصحى الصبح على صوت أمي وهي بتناديني، وأتخانق مع أختي على حاجات تافهة، وأقعد أختار هلبس إيه، وأفكر هخرج فين مع صحابي. كانت عندي أحلام صغيرة، لكنها كانت بالنسبالي الدنيا كلها. كنت عايزة أتعلم، وأشتغل، وأفرح، وأعيش يومًا عاديًا من غير ما أحس إن العادي ده أمنية بعيدة.
لكن في غزة، حتى الأحلام البسيطة بقت محتاجة معجزة.
دلوقتي، لما بصحى من النوم، أول حاجة بعملها إني أبص حواليا وأطمن إن الناس اللي بحبهم لسه موجودين. بقيت أخاف من صوت التليفون، وأخاف لما حد يتأخر في الرد، وأخاف من الأخبار اللي بتوصل فجأة وتغيّر كل حاجة في ثانية واحدة. بقيت أعرف يعني إيه إن قلبك يفضل متعلق بكلمة واحدة: «إحنا بخير».
الكلمة دي بقت أغلى من حاجات كتير كنت زمان بعتبرها مهمة.
بيتنا كان مليان حياة
فاكرة بيتنا كويس. فاكرة تفاصيله الصغيرة اللي يمكن محدش غيري كان بياخد باله منها. مكان الكنبة اللي كانت أمي بتحب تقعد عليه، صوت باب الشقة لما بابا يرجع، ريحة الأكل في المطبخ، وضحكة إخواتي لما نتجمع حوالين السفرة.
الحاجات دي كانت عادية جدًا، لدرجة إني ماكنتش أعرف إنها ممكن تتحول يومًا لذكريات بتمسك فيها بإيدي الاتنين، كأني لو سيبتها هفقد جزءًا مني.
مش أصعب حاجة إنك تفقد مكانًا كنت عايش فيه، الأصعب إنك تفضل فاكر كل تفصيلة فيه، وتتمنى ترجعله ولو لدقيقة واحدة. تقف في نفس المكان، تبص من نفس الشباك، وتسمع صوت الناس اللي كانوا ماليين البيت.
أنا مش عايزة بيتًا كبيرًا، ولا حياة مثالية. أنا عايزة مكانًا أحس فيه بالأمان، وأنام من غير ما أصحى مفزوعة، وأعرف إن بكرة مش لازم يكون أصعب من النهارده.
هو ده كتير؟
أصعب حاجة إنك تحاول تكون قوي طول الوقت
الناس ساعات بتقول إن أهل غزة أقوياء، وإننا بنصبر وبنستحمل، وأنا فخورة بكل إنسان فينا بيحاول يكمل رغم كل اللي بيشوفه. لكن نفسي الناس تعرف إن القوة مش معناها إننا مش بنتوجع.
إحنا بنتوجع، وبنخاف، وبنعيط في أوقات محدش بيشوفنا فيها. ساعات بنضحك، مش لأننا نسينا وجعنا، لكن لأننا محتاجين نفتكر إننا لسه بشر، وإن جوانا مساحة صغيرة للفرح مهما كانت الظروف قاسية.
في أيام ببقى نفسي أتكلم، أحكي كل اللي جوايا، وأقول إني تعبت. وفي أيام تانية ببقى مش قادرة أشرح أي حاجة، وبكتفي إني أبص للسما وأسأل نفسي: هو إمتى هنعيش زي باقي الناس؟
نفسي أخرج من غير ما أفكر في كل الاحتمالات المخيفة. نفسي أشتري حاجة بحبها من غير ما أحس بالذنب، وأخطط لبكرة وأنا مطمنة، وأشوف أمي بتضحك من قلبها من غير ما تكون شايلة همّ ألف حاجة.
نفسي أكون بنتًا عادية، عندها مشاكل عادية، وأحلام عادية، ومستقبل تقدر تحلم بيه من غير خوف.
أمي هي الأمان اللي بحاول أتمسك بيه
أكتر حاجة بتوجعني إني أشوف أمي بتحاول تطمّنا وهي نفسها محتاجة حد يطمنها.
بتحاول تخبي خوفها، وتتكلم معانا كأن كل حاجة ممكن تعدي، وبتدور على أي حاجة تخلينا ننسى اللي إحنا فيه، ولو لدقايق. ساعات ببصلها وأحس إني عايزة أكبر فجأة، عايزة أبقى قوية كفاية عشان أحميها من كل حاجة بتخوفها.
لكن الحقيقة إني لسه بنتها الصغيرة، حتى لو الظروف أجبرتني أكبر قبل أواني.
نفسي أرجع أشتكيلها من حاجات تافهة، وأحكيلها عن يومي، وأسألها ألبس إيه، وأسمعها وهي بتقولي إن كل حاجة هتبقى كويسة. نفسي أحس إن عندي وقت أضيعه في الكلام والضحك، وإن الحياة مش مجرد محاولات مستمرة عشان نعدّي اليوم بسلام.
يمكن الناس مش بتعرف قيمة التفاصيل الصغيرة غير لما تفقدها، لكن إحنا في غزة عرفنا قيمتها بالطريقة الأصعب.
إحنا مش مجرد صور في الأخبار
أوقات بحس إن العالم بيشوف غزة من خلال الصور والعناوين والأرقام. يشوف حجم الدمار، ويسمع عن الضحايا والنازحين، وبعدها ينتقل لخبر تاني، وكأن كل اللي حصل ممكن يتلخص في كام سطر.
لكن ورا كل صورة حكاية إنسان.
ورا كل بيت حكايات وضحكات وأعياد وذكريات. ورا كل طفل كان بيجري في الشارع حلم صغير، وورا كل أم قلب عايش في خوف على ولادها. وورا كل إنسان فقد بيته، تفاصيل حياة كاملة كان فاكر إنها هتفضل موجودة.
إحنا مش أرقام، ومش مشاهد عابرة في شاشة. إحنا ناس كان عندها خطط للمستقبل، وأغاني بتحب تسمعها، وأكلات بتفضلها، وأصحاب نفسها تشوفهم، وأماكن بتشتاقلها.
أنا بنت من غزة، وليا اسم وحكاية وأحلام. مش عايزة العالم يفتكرني بس لما يشوف وجعي، عايزاه كمان يفتكر إن من حقي أعيش حياة كاملة، فيها تعليم وأمان وحرية وفرحة ومستقبل.
مش عايزة شفقة، أنا عايزة حقنا في الحياة.
لسه بحلم رغم كل حاجة
يمكن أكتر حاجة مستغربة نفسي فيها إني لسه بحلم.
رغم الخوف، ورغم التعب، ورغم كل اللحظات اللي حسيت فيها إن الدنيا ضاقت بيا، لسه بتخيل يوم أصحى فيه وأفتح الشباك من غير خوف. يوم أقدر أمشي في الشارع وأنا بفكر في حاجات بسيطة، وأقابل صحابي، وأرجع البيت ألاقي أمي مستنياني.
بتخيل إني أكمل تعليمي، وأحقق حاجة أكون فخورة بيها، وأعيش اللحظات اللي كنت فاكرة إنها مضمونة. بتخيل إني في يوم هحكي لأولادي عن غزة، مش بس عن الحرب والوجع، لكن عن البحر، وعن الشوارع، وعن الناس اللي كانت بتضحك رغم كل حاجة، وعن الأرض اللي علمتنا معنى الانتماء.
أنا مش عايزة الحرب تكون الحكاية الوحيدة اللي الناس تعرفها عني وعن بلدي.
غزة بالنسبة لي مش بس مكان اتوجع. غزة هي المكان اللي اتولدت فيه، واللي فيه ذكرياتي الأولى، واللي فيه ناس بحبهم، واللي مهما اتغيرت ملامحه هيفضل جزءًا مني.
يمكن أنا مش عارفة بكرة شايل لينا إيه، ومش هقدر أوعد نفسي إن كل حاجة هتتحسن بسرعة. لكني عارفة إن الإنسان من حقه يتمسك بالأمل، حتى لما تكون الأسباب قليلة، وإن الحياة تستحق إننا نحاول عشانها كل يوم.
أنا بنت من غزة، ومش هقول إني بطلة، لأني مش بحارب عشان أكون بطلة في حكاية حد. أنا بس بحاول أعيش، وأحافظ على اللي باقي مني، وأتمسك بالناس اللي بحبهم.
وفي آخر اليوم، كل اللي بطلبه أمنية بسيطة جدًا:
إن بكرة ييجي من غير خبر حزين، وإن أمي تنام وهي مطمنة، وإن الأطفال يصحوا على أصوات اللعب بدل الخوف، وإن كل إنسان غاب عن بيته يقدر يرجعله، وإن كلمة «السلام» تبقى حقيقة بنعيشها، مش مجرد كلمة بنسمعها في الأخبار.
أنا بنت من غزة، ومش عايزة أكون حكاية عن الموت.
أنا عايزة أعيش، وأحب، وأحلم، وأكبر… زي أي بنت في العالم.

Comments
Post a Comment